الأستاذ بيراني في اجتماع المجلس المركزي: الالتزام بالأوامر الإلهية وإقامة العدل أساس الحكم والأمانة

أكد الأستاذ عبد الرحمن بيراني، في اجتماع المجلس المركزي الأخیر، على ضرورة الوفاء بالعقود والعهود الإلهیة والبشریة، والالتزام التام بالعدل في القضاء، والأمانة في أداء المسؤوليات، موضحًا ومستشهدًا بآيات من سورة المائدة، ومعتبرًا نسيان تعاليم الوحي سببًا لظهور الانقسام وقسوة القلوب في المجتمعات.

طهران - موقع إصلاح للمعلومات

أهمية العمل بالعقود الإلهية وإقامة العدل في خطابات الأستاذ عبد الرحمن بيراني

أوضح الأستاذ عبد الرحمن بيراني، الأمين العام لجماعة الدعوة والإصلاح، أهمية العمل والالتزام والحكم والقضاء بناءً على الأوامر الإلهية في کلمة استلهمها من آيات من سورة المائدة.

وأشار سماحته إلى عنوان هذه السورة، قائلاً إن "المائدة" مشتقة من قصة عيسى (عليه السلام) وأصحابه (الحواریین)؛ حيث طلبوا من عيسى (عليه السلام) أن ينزل الله عليهم مائدة سماوية كعلامة على صدق رسالته.

ثم ناقش الأستاذ بيراني خصائص سورة المائدة، وذكر أنها بإجماع المفسرين، سورة مدنية نزلت بعد صلح الحديبية، باستثناء الآية: "اليوم أكملت لكم دينكم..."، التي نزلت على النبي محمد صلى الله عليه وسلم في عرفة، أثناء حجة الوداع. وأضاف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبة: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ سُورَةَ الْمَائِدَةِ مِنْ آخِرِ الْقُرْآنِ نُزُولًا، فَأَحِلُّوا حَلَالَهَا وَحَرِّمُوا حَرَامَهَا.» وذكر أيضًا حديثًا مفاده أنه عندما نزلت هذه الآية، بكى عمر بن الخطاب رضي الله عنه. فسأله النبي صلى الله عليه وسلم عن سبب بكائه، فأجاب: "إننا في زیادة في دیننا فلما اكتمل، فلا يكون بعد الكمال إلا النقص". وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «صدقتَ». وبعد نزول هذه الآية توفي رسول الله بواحد وثمانين يومًا. وأشار الأستاذ بيراني أيضًا إلى أن سورة المائدة تبدأ بالأمر الإلهي بالوفاء بالعهد والوعد.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾

وهذا الخطاب دعوة ملیئة بالحب للمؤمنين، يدعوهم فيها إلى الوفاء بجميع العهود والاتفاقيات. ووفقًا له، فإن الشرط الأساسي للإيمان بالله ورسوله (صلى الله عليه وسلم) هو العمل بأوامر الله، واجتناب المحارم.

وأضاف أن عبارة "أوفوا بالعقود" لها معنى عام يشمل جميع العهود والاتفاقيات؛ بما في ذلك العهد مع الله، والعهد مع العائلة، والالتزام بالمسؤولیة تجاه الناس، والأمانة في المعاملات والتجارة، وجميع العقود المبرمة بين البشر، والوفاء بها ضروري وأساسي.

ثم أشار الأستاذ بيراني إلى الآيات التالية من السورة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ…﴾

وشرح أن المقصود هو ألا يتجاوز المؤمنون الحدود التي وضعها الله، وأن يلتزموا بأوامره ونواهيه.

ثم استشهد بالآية التالية:

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ مشیراً إلى أن الله يدعو المؤمنين إلى التعاون على أساس الخير والتقوى، وينهاهم عن التعاون على أساس الإثم والعدوان والظلم، لأن عقاب الله شديد.

ثم استشهد سماحته بالآية: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ﴾ وشدد على ضرورة تذكر نعمة الإسلام العظيمة، والتحرر من الشرك والوثنية، ونعمة الشريعة والأحكام الإلهية، وكذلك العهد الذي قطعه المؤمنون مع الله والنبي (صلى الله عليه وسلم) ودينه، وهو العهد الذي التزموا به التزامًا راسخًا بقولهم: "سمعنا وأطعنا".

ثم أشار إلى الآية الثامنة من سورة المائدة:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾

وذكر أنه بعد تذكير المؤمنين بنعم الله العظيمة، يدعوهم الله إلى الشكر العملي، وإقامة الحقوق الإلهية، وإقامة العدل، وحذرهم من أن العداوة أو الكراهية تجاه أي فرد أو جماعة لا ينبغي أن تخرج الإنسان عن طريق العدل؛ بل إن العدل هو أقرب طريق إلى التقوى، والله عليم بكل أعمال عباده. ثم أشار إلى قصة بني إسرائيل واختيار القادة الاثني عشر، متلوًا الآية:

﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾

وأوضح أن الله قد أخذ عهدًا من بني إسرائيل أن يعبدوه وحده، وأن يلتزموا بتعاليم التوراة، وأن يقيموا الصلوات، ويؤدوا الزكاة، وأن يؤمنوا بالأنبياء وينصروهم، وفي مقابل هذا الالتزام، وعدهم الله بالنصرة والعون.

وأضاف أن بني إسرائيل نقضوا هذا العهد وانحرفوا إلى المعصية، كما قال الله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ هذه الآية، بالإضافة إلى إشارتها إلى نقض بني قريظة للعهد وتحريض كعب بن الأشرف للمشركين على النبي الكريم (صلى الله عليه وسلم)، تُعبّر عن السنة الإلهية تجاه كل من یعدل عن طريق الوفاء وينحرف إلى الخيانة ونقض العهد والظلم؛ وفي نهاية المطاف، يُعدّ هذا السلوك حرمانًا من رحمة الله وقسوة في القلب.

وفي نهاية هذا القسم، أشار الأستاذ بيراني أيضاً إلى خرق العهد من قبل مجموعة من أتباع عیسی (عليه السلام)، واستشهد بالآية التالية:

﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾

وذكّر بأن نسيان العهد الإلهي والابتعاد عن تعاليم الوحي سيخلق أساسًا للخلاف والعداء والانقسام بين الأمم.

ثم أشار مجددًا إلى الآية المذكورة، موضحًا أن الله أخذ عهدًا من الذين اعتبروا أنفسهم أتباع عيسى (عليه السلام)؛ لكنهم نسوا جزءًا مما ذُكِّروا به، فكانت النتيجة خلق أساس للعداء والكراهية فيما بينهم.

وأشار إلى أن عبارة «حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ» في هذه الآية تشير، من بين أمور أخرى، إلى الأمر الإلهي في الإنجيل بالإيمان بالنبي الخاتم (صلى الله عليه وسلم) وقبول القرآن الكريم؛ وهي توصية ذُكِّروا بها سابقًا، ولكن بنسيانهم العهد الإلهي، عدلوا عنه، وفي النهاية، وقعوا في براثن الخلاف والعداء والاستياء. 

ثم أشار إلى الآية 44 من سورة المائدة.

﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ…﴾ مذکراً أن الله أنزل التوراة، وهي مصدر هداية ونور، على النبي موسى (عليه السلام)، وأن الأنبياء من بعده، الذين أسلموا لله، حكموا بين اليهود وفقًا للتوراة. كذلك، فإن الربانیین، أي علماء الدين والمفكرين، والأحبار، أي فقهاء الدين والعلماء، حكموا بين الناس وفقًا لما أُودِعَ إليهم من كتاب الله، وكانوا عليه شهداء ، وحافظوا على الأمانة الإلهية.

وأضاف أن عبارة ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا﴾ تشير إلى نفس المسؤولية التي وضعها الله على عاتقهم في حفظ أحكام التوراة وصيانتها وتطبيقها، وكانوا ملزمين بالحكم بين الناس وفقًا لها.

ثم أشار إلى تكملة الآية:

﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ وذكر أن الله قد أدان الذين لا يحكمون بما أنزل.

ثم عرض رأي المفسرين في تفسير هذه الآية، وقال إن جمهور العلماء يعتقدون أن الهدف الرئیسي لهذه الآية هم اليهود، وأن المقصود من ترك الحكم بما أنزل الله هو تركه إنكارًا أو استهزاءً أو تجاهلًا أو ادعاءً ببطلان الأحكام الإلهية وعدم استحقاقها.

وأضاف أن بعض العلماء الآخرين رأوا أن معنى الكفر في هذه الآية هو الكفر المصحوب بالذنب؛ أي فعلٌ يُشبه سلوك الكافرين في المعصية، ولكنه لا يُخرج المرء من دائرة الإيمان. وفي هذا السياق، أشار إلى قول طاووس رحمه الله: «كفرٌ دون كفر»، أي الكفر الذي لا يُخرج المرء من مبدأ الإيمان، وإنما يدل على ارتكاب الذنب والمعصية.

ثم انتقل إلى الآية 45 من سورة المائدة، حیث تقول:

﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ… وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾

وتلا الآية وقال إن الله قد قضى في التوراة بأن النفس بالنفس، والعين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسن بالسن، وأن الجروح تخضع للقصاص بالعدل والتناسب. ثم أكد أن من لا يحكم وفقًا لشرع الله فهو من الظالمين.

ثم أشار الأستاذ بيراني إلى الآية 46 من سورة المائدة.

﴿وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾

وذكر أن الله بعث عيسى ابن مريم على خطى أنبياء بني إسرائيل، وقد صدق التوراة التي أُنزلت من قبل، وأنزل الله عليه الإنجيل الذي فيه الهداية والنور والموعظة وتأكيد التوراة، ليكون هدىً للمتقين.

ثم أشار إلى تكملة الآية:

﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾

وذكر أن الله أمر أتباع الإنجيل أن يحكموا ويعملوا بما أنزل فيه، ومن يخالف هذا الأمر فهو من الفاسقین. 

وفي ختام هذا القسم، أشار الأستاذ بيراني إلى اختلاف آراء المفسرين حول الآيات الثلاث الأخيرة، وذكر أن الإمام أحمد والقرطبي وجماعة من العلماء يعتقدون أن الآيات: ﴿فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، ﴿فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ نزلت في شأن الكافرين؛ بينما يعتقد ابن عباس رضي الله عنه أن هذه الآيات نزلت في شأن فئتين من أهل الكتاب، وهما اليهود والنصارى.

وأضاف أن بعض العلماء والمفكرين وقادة حركة الصحوة الإسلامية رأوا في هذه الآيات دلالة على ضرورة السعي لإقامة دولة إسلامية. مع ذلك، يرى الأستاذ بيراني أن الجهود والتجارب العملية في هذا الشأن لم تكن ناجحة دائمًا، بل أسفرت في بعض الحالات عن مشاكل وعواقب وخيمة.

وفي ختام هذا القسم، أكد الأمین العام للجماعة أنه بغض النظر عن اختلاف وجهات النظر التفسيرية، فإن ما يُفهم بوضوح من هذه الآيات هو واجب الوفاء بالعهد مع الله ومع العباد، والالتزام بمعايير الإنصاف والعدل في الحكم والقضاء، والأمانة في أداء المسؤوليات، وتجنب أي نوع من الظلم والخيانة والغدر، مهما كان السبب أو الدافع أو المصلحة.